المسلة

المسلة الحدث كما حدث

مفتاح الأزمة.. والأبواب الخطأ

مفتاح الأزمة.. والأبواب الخطأ

6 يونيو، 2026

بغداد/المسلة:

مازن صاحب

قيل في الأثر إن الشاطر هو من يضع المفتاح الصحيح في الباب المناسب .. لست بصدد إثارة الجدل عن “الشطار في التراث العربي” بقدر استعارة هذا المدخل لفهم مغزى الحرب الإسرائيلية الإيرانية بمشاركة أمريكية مباشرة.. السؤال الأخطر فيها ليس من انتصر ميدانيا حتى الآن.. بل من اختار الباب الخطأ منذ البداية؟

أولا.. لا مناص من التذكير.. أن اللوبي الإسرائيلي يمثل واحدا من أكثر أدوات النفوذ رسوخا داخل السلطة العميقة الأمريكية.. لاسيما في حملات الرئاسة والكونغرس ومراكز صناعة القرار.. هذا ما منح إسرائيل أفضلية مريحة تراوحت ما بين فرضيات مشروع الشرق الأوسط الجديد عبر الاتفاقات الإبراهيمية.. وبين تعطيل وتسويف أي مسار حقيقي لحل الدولتين.. وكأن المطلوب سلام اقتصادي وأمني لإسرائيل.. من دون أي عدالة سياسية للفلسطينيين.!!

ثانيا.. لست ضمن من يعتبرون أن مشروع تصدير الثورة الإيرانية عبر ولاية الفقيه يصب بالضرورة الحتمية لصالح فلسطين.. بل إلى ذات الاستخدام الاستراتيجي الذي سبق وأن جرى توظيفه عبر أحزاب قومية وأممية عربية رفعت شعارات التحرير والممانعة.. قبل أن تتحول إلى سلطات مغلقة أو أدوات نفوذ إقليمية.. غير أن ولاية الفقيه الإيرانية ذهبت أبعد بكثير في بناء محور عابر للحدود والسيادة والجيوش الوطنية تحت عنوان “المقاومة الإسلامية” .

ثالثا.. وفق منطوق الاستراتيجية الوطنية الأمريكية الأخيرة.. وما رافقها من حديث عن تخفيف الانخراط في الشرق الأوسط والتركيز على الصين وروسيا واعادة النظر في تحالفات الناتو.. فإن الوقائع سرعان ما انقلبت على عكس ما كتب في الأوراق.. فحرب حزيران ٢٠٢٥ التي بدت خاطفة نسبيا.. تحولت في حرب ٢٠٢٦ إلى مشهد أكثر تعقيدا واتساعا.. بعد انتقال نيران الاشتباك إلى الداخل الإيراني ذاته عبر سلسلة طويلة من الاغتيالات والضربات الأمنية والعسكرية التي بدأت منذ مقتل قاسم سليماني.

ومع أن تطبيق “سياسة المقصلة” في حصد الرؤوس القيادية أصاب العمق الإيراني ومحور المقاومة بخسائر غير مسبوقة.. بدءا من استهداف قيادات الحرس الثوري.. مرورا بضرب البنية القيادية لـحزب الله … وما حصل في مقتل المرشد الإيراني الأعلى على خامنئي ومن لحق به من قيادات الدولة والجيش والحرس الثوري.. إلا أن كل ذلك لم يؤد حتى الآن إلى استسلام “ولاية الفقيه” أو “تفكك” مشروعها الإقليمي… بل إن الحرب الحالية كشفت مفارقة أكثر خطورة.. فـحزب الله اللبناني الذي كان يوصف لعقود بأنه رأس الحربة في مشروع الردع الإيراني. ما زال يربك قرار الدولة اللبنانية.. بينما بدت بعض الفصائل العراقية المسلحة في حالة هجينة بين منطق الدولة العراقية ومنطق الارتباط العقائدي والعسكري بمحور ولاية الفقيه.. حتى بات العراق نفسه مهددا بدفع أثمان حرب تتجاوز حدوده وقراره الوطني.

حين نحاول تطبيق أمثولة المفتاح الصحيح في الباب الصحيح.. يبرز السؤال الأخطر.. هل نجحت كل المناوشات ثم الحروب و قبلها العقوبات والحصار في فتح أغوار أبواب ولاية الفقيه امام قرار كأس السم والاستسلام ؟

واقع الحال.. ومن خارج صندوق التحليلات التقليدية.. أن واشنطن تعاملت مع إيران بوصفها ملفا نوويا يمكن احتواؤه بالعقوبات أو الضربات أو الحصار البحري.. بينما تكمن جذور الأزمة في بنية عقائدية وسياسية أعمق بكثير.. تراكمت خلال نصف قرن من التعبئة العابرة للحدود.. التي تهدد سيادة الدول لاسيما في منظومة الخليج العربي.

ولعل أكثر ما أخطأت فيه الإدارات الأمريكية.. لاسيما إدارة دونالد ترامب.. أنها ظنت أن إسقاط الرؤوس القيادية أو تفكيك البرنامج النووي كفيل بإسقاط المشروع الإيراني ذاته .. مع أن المشروع بعمقه العقائدي تأسس على سردية تعبئة تاريخية استثمرت واحدة من أكبر المآسي في التاريخ الإسلامي.. وهي استشهاد الإمام الحسين بن علي (ع) في عاشوراء عام ٦١ هجري .. وتحويلها إلى وقود تعبوي دائم ضد كل خصم سياسي أو عسكري يصنف باعتباره معاديا لآل بيت النبي عليهم السلام.

من هنا.. فإن فهم المشروع الإيراني لا يختلف كثيرا عن ضرورة فهم البنية الفكرية التي أنتجت كل أشكال السلفية الجهادية .. لأن المشكلة لا تبدأ من القائد فقط مثل ابن لادن او اازرقاوي .. بل من المنظومة الفكرية القادرة على إعادة إنتاج الصراع جيلا بعد آخر… وهذا ما حصل في تهديدات متواصلة في نماذج ومسميات مختلفة.

لذلك فإن المفتاح الأمريكي لم ينجح سابقا في فتح أبواب السفارة الأمريكية في طهران لتحرير الرهائن.. كما لم ينجح في إعادة شبكة المصالح مع الحرس الثوري التي ظهرت في فضيحة صفقات الأسلحة وعرفت باسم( إيران ـ كونترا) .. ولم ينجح لاحقا في منع تغول الحرس الثوري داخل العراق عبر أحزاب وفصائل انتقلت من المعارضة إلى السلطة.. ومن شعارات مقاومة (الشيطان الأكبر) إلى إدارة الدولة تحت المظلة السياسية التي وفرها الاحتلال الأمريكي نفسه.

الأكثر خطورة أن واشنطن اختارت نافذة صغيرة تسمى الملف النووي الإيراني.. بينما تجاهلت الباب الأكبر المرتبط بطبيعة المشروع الإيراني ذاته.. أي مشروع تصدير النفوذ العقائدي والقفز على سيادة الدول وبناء شبكات عسكرية وأمنية موازية داخل المجتمعات العربية والإسلامية.
لذلك فإن أي حصار بحري في مضيق هرمز.. أو أي تصعيد عسكري جديد.. لن يكون كافيا لإعادة تشكيل الشرق الأوسط ما لم يترافق مع معالجة الجذر الحقيقي للأزمة.. فاستمرار الحرب في غزة وغياب أي أفق حقيقي لحل الدولتين يمنحان سرديات (ولاية الفقيه) مادة تعبئة دسمة لا تنضب.. ويحولان كل صاروخ إسرائيلي أو أمريكي إلى جزء من سردية (عاشوراء الجديدة) التي تتغذى عليها ماكينة التعبئة الإيرانية منذ عقود.

على خط مواز.. فإن مواجهة المشروع الإيراني لا يمكن اختزالها بالقوة العسكرية فقط.. بل تحتاج أيضا إلى مواجهة فكرية وقانونية وسياسية تتعلق بحماية سيادة الدول الوطنية ومنع تحويل المجتمعات العربية والإسلامية إلى ساحات نفوذ عابرة للحدود.. وما يجري اليوم من كشف شبكات وخلايا مرتبطة بفصائل مسلحة في بعض دول الخليج العربي قد يتحول مستقبلا إلى ملفات دولية أمام الأمم المتحدة ومجلس الأمن باعتبارها تهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمي والسلم والامن الدوليين . تضاف إلى ملف الاعتداء العسكري المباشر خلال هذه الحرب.
لذلك تبدو الأزمة الحقيقية في الشرق الأوسط أبعد كثيرا من مجرد تخصيب اليورانيوم أو عدد الصواريخ أو حجم الأساطيل البحرية.. إنها أزمة فهم عميق لطبيعة الأبواب المغلقة في هذه المنطقة.. وكيفية اختيار المفاتيح المناسبة لها.

فالولايات المتحدة ومعها إسرائيل ما زالتا تتعاملان مع أعراض المرض أكثر من جذوره.. وكلما استمر تجاهل القضية الفلسطينية واستمر غياب العدالة السياسية واستمر الرهان على الحروب وحدها.. فإن المنطقة ستبقى تدور داخل الحلقة نفسها.. مزيد من التطرف.. مزيد من الحروب.. ومزيد من الأبواب المغلقة.

ومن دون مشروع تسويات كبرى أقرب إلى نموذج (اتفاقية وستفاليا) في أوربا.. لإعادة تعريف السيادة للدولة الوطنية.. ومن خلالها حل معادلة القضية الفلسطينية والذهاب إلى تطبيق حقيقي لحل الدولتين.. ستبقى المفاتيح الأمريكية تبحث عن الأبواب الصحيحة وسط متاهة عقائد الشرق الأوسط.

هنا تحديدا تظهر المعضلة الكبرى..ليس كل مفتاح قادرا على فتح كل باب..وليس كل باب في الشرق الأوسط يفتح بالقوة… ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!!!


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author