المسلة

المسلة الحدث كما حدث

مواكب المائة سيارة تكشف اقتصاد الحصص

مواكب المائة سيارة تكشف اقتصاد الحصص

6 يونيو، 2026

بغداد/المسلة: حين يتحول زعيم محلي إلى قافلة فولاذ، تمتد مائة سيارة خلفه كأنها جيش احتلال، فاعلم أن الدولة لم تعد دولة.. بل مائدة مفتوحة للذئاب.

المشهد وحده كافٍ لإعلان الوفاة الرسمية لفكرة الوطن.
مائة سيارة خلف رجل واحد.
مائة محرك يلتهم وقود الفقراء.
مائة باب مصفح يُغلق في وجه شعب يبحث عن دواء وكهرباء ووظيفة.

أي بلد هذا الذي يحتاج فيه مسؤول صغير إلى موكب يفوق مواكب رؤساء الدول الكبرى؟
وأي خوف يسكن هؤلاء حتى يمشوا بين الناس بهذا الرعب المعدني؟

الجواب ليس أمنياً.
الجواب مالي.
المال المسروق يحتاج دائماً إلى حراسة أكثر من صاحبه.

في الدول الطبيعية، تُقاس هيبة المسؤول بما ينجزه.
أما في جمهوريات الخراب، فتُقاس بعدد السيارات السوداء وصفارات الإنذار وعدد المسلحين الذين يركضون خلفه كأن البلاد في حرب أهلية دائمة.

وحين ترى هذا البذخ الوحشي، لا تسأل: “من أين لك هذا؟”
السؤال صار ساذجاً ومتأخراً.
الجميع يعرف من أين جاء.
جاء من خزائن منهوبة، وعقود مفخخة، ومشاريع ورقية، وحدود سائبة، وضرائب يدفعها الجائعون كي يعيش السارقون كالملوك.

السؤال الحقيقي:
كيف صار هذا المشهد عادياً؟

كيف اعتادت الشعوب رؤية اللصوص بحجم الأوطان؟
كيف صار المواطن يفسح الطريق لموكب مسؤول يعرف في داخله أنه مجرد موظف تضخم بالسرقة حتى ظن نفسه دولة؟

المأساة ليست في عدد السيارات.
المأساة أن جميع المتنفذين متفاهمون على قواعد النهب.
لا أحد يفتح ملف أحد.
اللصوص هنا أكثر عدالة من الحكومات.. يتقاسمون الحصص بدقة مذهلة.

زعيم القبيلة له حصته.
زعيم الحزب له حصته.
زعيم الطائفة له حصته.

أما الوطن، فله الخطب فقط.

لهذا لا يسقط أحد.
لأن الجميع ممسكون برقاب الجميع.
شبكة مصالح، متشابكة مثل مجاري تحت مدينة متعفنة.

في الدول المحترمة، يشعر المسؤول بالخجل إذا بالغ في المظاهر.
أما هنا، فكلما ازداد عدد السيارات، ارتفعت مكانته بين الفاسدين.
الموكب صار إعلاناً رسمياً لحجم السرقة.

المسؤول النظيف يمشي خفيفاً.
أما الفاسد، فيحتاج إلى قافلة كاملة كي تحمل خوفه وذهبه وأكاذيبه.

أي حضارة نحلم بها؟
وأي دولة نريد بناءها، بينما مسؤول صغير يملك من الحمايات ما لا يملكه رئيس حكومة في أوروبا؟

البلاد التي تتحول فيها المناصب إلى غنائم.. لا تُدار بالقانون بل بتوازن العصابات.
وحين تُوزع الأموال كحصص حرب، لا يعود المواطن شعباً.. بل مجرد ممول إجباري لترف الوحوش.

هذه ليست دولة متعثرة.
هذه شركة نهب كبرى.
والمواطن فيها مجرد دافع ضرائب بلا حقوق، ومشاهد مجاني لمواكب اللصوص.

الأسوأ أن بعضهم لا يشعر بالخجل.
يمر وسط الفقر مزهواً، كأن الموكب وسام بطولة، لا دليل إدانة.

وحين يصل الفساد إلى مرحلة الاستعراض، فاعلم أن الانهيار لم يعد احتمالاً.. بل نظام حكم.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author