المسلة

المسلة الحدث كما حدث

صفقات الغرف المغلقة: مقايضة السلاح بـ( المناصب ) وترك المقاتلين في العراء

صفقات الغرف المغلقة: مقايضة السلاح بـ( المناصب ) وترك المقاتلين في العراء

5 يونيو، 2026

بغداد/المسلة:

قيس المختار

في كل دول العالم التي شهدت نزاعا مسلحا .. كانت عملية نزع السلاح تخضع لقاعدة راسخة: ( من يتنازل عن القوة .. يجب أن يحصل على مكاسب وطنية حقيقية في المقابل) .
ففي كولومبيا .. حصلت القوات المسلحة الثورية على مقاعد في البرلمان وعفوا شاملا وبرامج تنموية . وفي الفلبين .. تحول مقاتلو مورو إلى مواطنين منتجين بعد حصولهم على مساعدات مالية وتدريب مهني . وفي جنوب أفريقيا .. تم دمج المسلحين السابقين في جيش وطني موحد. وفي موزمبيق .. منحت الدولة معاشات تقاعدية لعناصر حركة رينامو .

لكن في العراق .. المشهد مختلف ومخز .

هنا تطرح قضية نزع سلاح الفصائل من دون أي مكاسب وطنية تذكر. فبدلا من مفاوضات جادة تمنح المقاتلين السابقين تعويضات .. أو إعمارا لمناطقهم .. أو اندماجا في المؤسسات الرسمية .. نجد أن بعض الفصائل تكتفي بـ( من النفس ) (باستثناء فصيل واحد على حد علمي ) بأهداف هزيلة: وهكذا يتحول الفعل المقاوم والتضحيات الجسيمة إلى مجرد ورقة تقايَض بوعود شفهية .. أو بامتيازات سلطوية ضيقة لا تتعدى بضعة مناصب في حكومة محاصصة .. أو مكاسب اقتصادية وتجارية فئوية تذهب لجيوب فئة محددة .. تاركة القواعد الشعبية والمقاتلين الذين واجهوا الإرهاب في العراء بلا ضمانات حقيقية لمستقبلهم .

تسويات بلا ضمانات: الاستثناء العراقي الغريب

إن الغرابة في المشهد العراقي تكمن في غياب ( فلسفة الدولة ) لإدارة مرحلة ما بعد النزاع . فبينما تقود التجارب الدولية عمليات نزع السلاح وفق استراتيجية ثلاثية الأبعاد: نزع السلاح .. وتسريح المقاتلين .. وإعادة الدمج .. نجد أن الطرح في العراق غالبا ما يحمل صبغة ( الإملاء الفوقي ) أو ( الصفقة السياسية العابرة) .. التي لا تلتفت للعمق المجتمعي .

غياب الرؤية التنموية: لا توجد خطط واضحة لإعمار المدن والمناطق التي انطلق منها هؤلاء المقاتلون أو التي تضررت من الحروب المتلاحقة .

إهمال البعد الإنساني للمقاتل: يغيب الحديث عن تأمين العيش الكريم .. والرواتب التقاعدية الثابتة .. والتدريب المهني الذي يضمن للمقاتل السابق عدم العودة إلى حمل السلاح تحت وطأة العوز الاقتصادي .

استبدال الحقوق بالمكرمات: يراد من المقاتل العراقي أن يتنازل عما يعتبره ( ضمانة وجودية ) مقابل تطمينات سياسية هشة .. سرعان ما تذوب عند أول منعطف أو تغيير في موازين القوى السياسية داخليا أو إقليميا .
إن إفراغ عملية ( تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة ) من محتواها التنموي والوطني الشامل .. وتحويلها إلى مجرد تنازل بلا مقابل حقيقي للمجتمع،د .. لا يؤسس لاستقرار مستدام .. بل يزرع بذور أزمات مستقبلية أشد عمقا .

المفارقة التاريخية : التضحية بالاستقرار لعيون المحاصصة

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن تجريد أي قوة من سلاحها دون تقديم بديل وطني مقنع ومستدام .. يؤدي حتما إما إلى شعور بالانكسار والغبش في الرؤية لدى القواعد الشعبية .. أو يدفع ببعض الأجنحة نحو العمل السري والتمرد مجددا .

إن المقاربة الأمنية البحتة التي تتجاهل شروط التنمية والعدالة الانتقالية .. تجعل من دعوات نزع السلاح في العراق مجرد شعار انتخابي أو تلبية لضغوط خارجية .. بدلا من أن تكون مشروعا وطنيا خالصا يهدف إلى بناء دولة مواطنة قوية . تحمي الجميع وتضمن حقوق من دحشوا أجسادهم في السواتر .. لا أن تتركهم يتنازلون عن أوراق قوتهم ليخرجوا من المشهد بلا حمص ولا أمان .

 

 


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author