بغداد/المسلة: في شوارع بغداد المترامية، حيث تصطفّ أشجار النخيل الباسقة كحرّاس صامتين، يتربّص خطر صامت آخر لا يقل فتكاً عن وطيس السياسة ونار الفتن.
وبين أزقّة الشعب الشعبية الضيّقة وأحياء الأعظمية العتيقة، تحوّلت الكلاب السائبة من مجرّد مشهد مألوف إلى كابوس يطارد العابرين، وبالأخص الأطفال والنساء، مخلّفةً وراءها بصمة من رعب لا يمحى، وخوفاً من عضة قد تكون ناقوس الموت.
ففي قلب بلاد الرافدين، حيث ولدت الكتابة وشُيّدت أولى المدن، يعود الإنسان ليواجه الطبيعة في أشدّ صورها وحشيةً، ليس في الصحاري القاحلة، بل في عقر داره.
في أحد مستشفيات العاصمة، يقف الدكتور رشاد كامل، اختصاصي الأمراض المعدية، أمام سرير طفل يافع، وقد علت وجهه علامات الهذيان والتشنج.
يروي الدكتور، بنبرة يجمع فيها الحسرة باليقين الطبي، قصة مأساة تتكرّر يومياً: “مجرد عضة من كلب مصاب بفيروس داء الكلب، أو حتى خدشة بسيطة، قد تكون كفيلة بنقل العدوى القاتلة. هذه الحالات التي نراها هنا، هي غيض من فيض، والمأساة أن المرض، حين تظهر أعراضه، يكون قد حكم على المصاب بالموت المحتوم في أكثر من 99% من الحالات”.
هذا الواقع المرير يجد صدىً له في تحذيرات منظمة الصحة العالمية، التي تؤكد أن 40% من ضحايا داء الكلب حول العالم هم أطفال دون الخامسة عشرة، وأن الكلاب هي المصدر الرئيسي للعدوى .
الأرقام التي تتحدث بها الدوائر الصحية العراقية ترسم لوحة قاتمة. ففي سنة 2026 وحدها، سُجّلت 18 حالة إصابة بداء الكلب في عموم العراق، وهو عدد قد يبدو للوهلة الأولى متواضعاً، لكنه ينذر بكارثة وشيكة.
ويشير الكاتب سامي التميمي، إلى خطورة هذا المؤشر قائلاً: “في معظم بلدان العالم، إذا تم رصد حالة واحدة لداء الكلب، فإن ذلك يُعدّ مؤشراً مقلقاً يستدعي استنفاراً فورياً لكافة الدوائر الصحية والبيطرية والأمنية”.
ويضيف محذراً: “الوضع في العراق يتطلب تدخلاً عاجلاً وحاسماً، فهذه الكلاب السائبة هي قنابل موقوتة تسير في شوارعنا”.
وقد أثارت هذه الأرقام المقلقة موجة من الغضب والقلق على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر الناشطون عن استيائهم من تقاعس الحكومة.
ففي منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، دوّن الناشط العراقي أحمد الركابي، في تغريدة : “مشهد الكلاب السائبة في شوارع بغداد لم يعد يطاق. أطفالنا يلعبون في الشوارع وكأنهم في ساحة حرب مع وحوش كاسرة. أين الحملات التي وعدت بها الحكومة؟ أين الخطة لإنقاذ المدن من هذا البلاء؟”.
هذا الصوت الشعبي يتوافق مع ما يشهده الميدان، حيث تتحوّل الأحياء السكنية إلى موائل لهذه الحيوانات، التي تفترس القوارض وتنشر الأمراض، مما يفاقم من معاناة سكان يعيشون أصلاً تحت وطأة أزمات متعددة.
وتذكر المصادر أن هذه الظاهرة ليست جديدة، بل هي نتيجة تراكمية لسنوات من الحروب والفوضى التي أدّت إلى انهيار البنى التحتية، وتراجع خدمات البلدية، وانتشار مكبات النفايات غير المراقبة التي أصبحت مصدراً رئيسياً لغذاء هذه الكلاب .
وفي الوقت الذي تغيب فيه الشمس خلف مآذن بغداد، وتنطفئ أضواء المدينة شيئاً فشيئاً، يبقى عواء الكلاب هو الصوت الأكثر هيمنةً على السمع، حاكياً قصة مدينة غارقة في تحدياتها، تتصارع مع وحش يهدد أمنها الصحي والاجتماعي.
الكلاب السائبة ليست مجرّد أزمة بيئية عابرة، بل هي مرآة لواقع أوسع يعكس الإهمال، وتراجع مؤسسات الدولة، وهشاشة الحياة اليومية للمواطن العراقي.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
هاريس في حوار: نرفض إشراك الفصائل في الحكومة العراقية
الزيدي يعيد ترتيب الأوراق.. أرمني مسيحي لتمثيل العراق أمام ترامب
سلطة الطيران المدني تعلن منح ترخيص التشغيل لمطار النجف