المسلة

المسلة الحدث كما حدث

التفسير المدني للقرآن.. وجعلنا من الماء كل شيء حي

التفسير المدني للقرآن.. وجعلنا من الماء كل شيء حي

7 يوليوز، 2026

بغداد/المسلة:

ليث شبر

في هذه السلسلة لم نتعامل مع الآيات القرآنية بوصفها نصوصًا معزولة عن حركة الكون والإنسان، بل حاولنا أن نقرأها وهي تتنفس في الواقع، وتكشف سننًا ما زالت تعمل في الحياة كما عملت يوم نزل القرآن وكما قبل نزوله.
ولذلك لم يكن مقصدنا إعادة ما قاله المفسرون، مع ما لهم من فضل ومكانة، وإنما البحث عن المعاني التي تضيء حاضر الإنسان، وتعينه على بناء مجتمع أرقى ودولة أقدر على صيانة الحياة.

قال تعالى:

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾

من اللافت أن الماء يغطي أكثر من سبعين في المئة من سطح الأرض، وهي نسبة تقارب ما يمثله الماء في جسم الإنسان، وكأن الخالق يضع أمامنا إشارة تتكرر في الكون وفي الإنسان معًا، لتقول إن الحياة لا تقوم على اليابسة وحدها، ولا على الجسد وحده، وإنما على العنصر الذي يمنح الأشياء قدرتها على الاستمرار والتجدد.

وقد فهم المفسرون الأوائل الآية على ظاهرها العظيم، فرأوا أن الماء أصل الحياة في النبات والحيوان والإنسان، وأن الموجودات لا تستقيم دورتها إلا به. وهذا المعنى تؤيده الاكتشافات العلمية الحديثة، إذ لم يُعرف حتى اليوم شكل من أشكال الحياة يخلو من الماء، حتى صار البحث عن الماء في الكواكب البعيدة هو الخطوة الأولى في البحث عن الحياة نفسها.

بيد أن النص يفتح بابًا أوسع للتأمل. فالماء ليس مادة فحسب، بل قانون حياة. الماء لا يفرض حضوره بالصخب، ومع ذلك لا تقوم الحياة إلا به. يتغير شكله، وتبقى وظيفته، وينتقل من حال إلى حال، بينما يظل أمينًا على رسالته في الإحياء. وفي ذلك درس عميق للدول والمجتمعات؛ فالقوة لا تُقاس بالضجيج، وإنما بالقدرة على صناعة الحياة واستدامتها. ومن يتأمل حركة الماء يدرك أن البقاء ليس للأكثر صخبًا، بل للأكثر قدرة على منح الوجود أسباب استمراره، ولذلك لم يجعل القرآن الماء رمزًا للثروة، وإنما جعله أصلًا للحياة نفسها.

ومن هنا تبدأ القراءة المدنية للآية. فكما أن الجسد يموت إذا انقطع عنه الماء، فإن المجتمعات تموت إذا انقطع عنها ما يشبه الماء في عالم القيم؛ ينابيع العلم، والعدالة، والثقة، والرحمة، والحرية، وتداول المعرفة. هذه هي مياه المجتمعات. فإذا جفّت، بقيت الأبنية قائمة، وبقيت المؤسسات تحمل أسماءها، لكن الحياة تغادرها شيئًا فشيئًا، تمامًا كما يغادر الماء غصنًا أخضر فيتحول إلى خشب يابس.

ولهذا فإن الدولة الذكية التي ننشدها لا تنظر إلى الماء على أنه ملف خدمي أو مورد اقتصادي فحسب، بل تنظر إليه على أنه أصل من أصول الأمن القومي، وأحد أعمدة السيادة، لأن الأمة التي لا تحسن إدارة الماء لا تستطيع أن تحسن إدارة الزراعة ولا الصناعة ولا الصحة ولا الاستقرار الاجتماعي. والماء في النهاية ليس قضية بيئية فحسب، بل قضية حضارية ترسم مستقبل الأوطان.

ومن هنا أيضًا تكتسب المبادرة الوطنية للإصلاح أهمية خاصة، لأنها تنظر إلى الإصلاح بالطريقة نفسها؛ فالإصلاح ليس قرارًا إداريًا يصدر من أعلى، بل هو تدفق مستمر يعيد الحياة إلى مؤسسات الدولة كما يعيد الماء الحياة إلى الأرض. وكل مشروع يتوقف عن التجدد يبدأ بالذبول، وكل مجتمع يمنع تدفق الأفكار والكفاءات والفرص يشبه أرضًا حُبس عنها الماء، فلا يطول بها الزمن حتى تتشقق.

ولعل هذا هو المعنى الذي يتركه النص في النفس؛ فالحياة لا تُقاس بعدد السكان، ولا بحجم المدن، ولا بكثرة الثروات، وإنما بوجود “الماء” الذي يمنحها القدرة على النبض والاستمرار. وكلما حافظ الإنسان على ينابيع الحياة في الأرض وفي نفسه وفي دولته، بقي العمران متجددًا، وبقيت الحضارة قادرة على أن تورث الحياة لمن يأتي بعدها، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author