بغداد/المسلة: يعيد البرلمان العراقي فتح واحد من أكثر ملفاته التشريعية حساسية، مع إدراج مشروع “قانون جرائم تقنية المعلومات” على مسار القراءة الأولى، في لحظة يبدو فيها الفضاء الرقمي العراقي كأنه ساحة عامة موازية للدولة، تختلط فيها الشكوى الشعبية بالتحشيد السياسي والابتزاز الإلكتروني وأرشيف الغضب اليومي. غير أن عودة المشروع لا تُقرأ بوصفها استجابة تقنية باردة لجرائم الإنترنت فحسب، بل كاختبار سياسي حاد للعلاقة بين السلطة والكلمة في بلد ما زال يفاوض توازنه الهش بين الأمن والحرية.
في بغداد، يتقدم مؤيدو المشروع بحجة الفراغ التشريعي واتساع الجرائم السيبرانية، من الاحتيال والاختراق إلى انتحال الهوية والابتزاز، معتبرين أن الدولة لا تستطيع إدارة الفوضى الرقمية بقوانين متناثرة.
لكن الاعتراض الأوسع يتصل لا بفكرة التشريع نفسها، بل باللغة التي يتكلم بها: عبارات من قبيل “المساس بالنظام العام” و”الإضرار بالمصلحة الوطنية” و”الإخلال بالقيم الاجتماعية” تُقرأ في الأوساط الحقوقية باعتبارها مفاتيح تأويل مفتوحة، تسمح بتحويل النص القانوني من درع ضد الجريمة إلى شبكة صيد واسعة للأصوات المزعجة.
هذا القلق ليس جديداً. فمنذ طرح المشروع في نسخ سابقة، حذرت منظمات حقوقية دولية وإقليمية من أن بعض مواده تخلط بين الجريمة الرقمية والفعل التعبيري، وتدفع نحو عقوبات قاسية لا تنسجم مع مبدأ التناسب، بينها أحكام تصل إلى السجن المؤبد في بعض الصيغ المتداولة، بما يخلق مناخاً من الرقابة الذاتية في غرف الأخبار وعلى حسابات الناشطين.
وفي الأسابيع الأخيرة، عكست تدوينات على “إكس” ومنشورات في فضاءات عراقية نقاشاً محتدماً بين من يطالب بقانون يردع الابتزاز الإلكتروني، ومن يخشى أن تتحول “السلامة الرقمية” إلى تسمية مهذبة لعصر جديد من حراسة الكلام.
في هذا الاشتباك، تبدو المعركة الحقيقية أبعد من نص قانوني: إنها معركة على تعريف الدولة نفسها في العصر الرقمي. فإما أن يخرج العراق بتشريع يطارد الجريمة من دون أن يطارد الرأي، وإما أن يستولد قانوناً يضع الحرية داخل قفص إلكتروني مذهّب، يبدو من بعيد وعداً بالأمان، ويخفي في داخله ظلاً طويلاً من الصمت.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
ترامب: طلبت من رئيس فيفا مراجعة البطاقة الحمراء للاعب الامريكي
النزاهة: المرحلة المقبلة ستشهد نتائج أفضل في استرداد الأموال والمطلوبين
الخطوط الجوية الإيرانية تعلن رحلات إضافية إلى النجف تزامنًا مع مراسم التشييع