بغداد/المسلة:
ابراهيم العبادي
منذ اسبوعين كتبت أن العراق لا يحتاج اليوم إلى مجرد تغيير حكومة أو استبدال وجوه سياسية، بل يحتاج إلى نهضة فكرية وثقافية تعيد تشكيل الوعي العام، لأن السياسات العظيمة لا تولد إلا من أفكار عظيمة، والدول لا تنهض إلا عندما يسبق التغيير السياسي تغييرٌ في العقل الجمعي. لكن هذا التشخيص يقودنا إلى سؤال أكثر صعوبة وتعقيداً: إذا كانت الفكرة الجديدة ضرورة، فمن ينتجها؟ ومن يحملها؟ ومن يحولها إلى قوة قادرة على تغيير الواقع؟
هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما تصل الدولة إلى مرحلة من الشلل شبه الكامل، فتتعطل قدرتها على الإصلاح، وتصبح مؤسساتها عاجزة عن إدارة الأزمات، ويتحول الفساد إلى بنية مستقرة، وتتداخل مصالح المال والسلاح والنفوذ الخارجي مع السلطة السياسية حتى يصبح التغيير نفسه محفوفاً بالمخاطر. ففي مثل هذه الحالات لا تعود المشكلة في الحكومة وحدها، ولا في البرلمان وحده، ولا حتى في الانتخابات، وإنما في البنية التي أعادت إنتاج الأزمة طوال سنوات.
في العراق تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فإزاحة القوى المهيمنة بالقوة قد تفتح أبواب اقتتال داخلي لا يعرف أحد مداه، فيما أثبتت الانتخابات المتكررة أنها لم تعد، بالنسبة لقطاع واسع من المواطنين، وسيلة لتداول السلطة بقدر ما أصبحت وسيلة لإعادة إنتاج موازين القوى نفسها ومنحها شرعية جديدة. أما النفوذان الأمريكي والإيراني، على اختلاف أهدافهما وأدواتهما، فقد أسهما في تكريس حالة من الاستعصاء جعلت القرار الوطني محكوماً بحسابات تتجاوز الإرادة العراقية الخالصة.
عند هذه النقطة يصبح السؤال: ما العمل؟
هل يكفي أن نؤسس حزباً سياسياً جديداً؟ أم أن الأحزاب نفسها أصبحت جزءاً من الأزمة؟ وهل ننتظر زعيماً استثنائياً يقود عملية الإنقاذ؟ أم أن تجارب المنطقة أثبتت أن التعويل على الفرد وحده قد ينتهي إلى إعادة إنتاج الاستبداد بصورة جديدة؟ وهل يمكن أن يقود المجتمع المدني عملية التغيير وهو ما يزال هشاً ومجزأً، يفتقر إلى القاعدة الاجتماعية الواسعة وإلى الاستقلال الحقيقي؟
هنا تبرز فكرة “الكتلة التاريخية” التي طرحها المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، ليس باعتبارها وصفة جاهزة، وإنما إطاراً لفهم كيفية انتقال المجتمعات من مرحلة تاريخية إلى أخرى. فالتحولات الكبرى لا تصنعها جماعة منفردة، وإنما تحالف واسع يجمع النخب الفكرية والثقافية والأكاديمية والدينية والاقتصادية والشبابية والطبقة الوسطى، حول فكرة وطنية مشتركة تعيد تعريف الدولة والمواطنة والسلطة والمصلحة العامة.
لكن استنساخ غرامشي وحده لا يكفي. فالعراق يختلف عن أوروبا التي كتب فيها الرجل. المجتمع العراقي ليس مجتمع طبقات بالمعنى التقليدي، بل مجتمع هويات فرعية ومكونات وطوائف وعشائر وقوميات، وما يزال الانتماء الأول لدى كثيرين يتقدم على الانتماء الوطني. لذلك فإن الكتلة التاريخية العراقية، إن أمكن بناؤها، لا ينبغي أن تقوم على تحالف طبقي، وإنما على تحالف وطني عابر للطوائف والقوميات، يجعل الدولة هي الهوية الجامعة، والمواطنة هي معيار الحقوق والواجبات.
ومن هنا أيضاً تبدو فكرة البحث عن “الزعيم المنقذ” غير كافية. فالمجتمعات التي اعتادت صناعة الزعماء غالباً ما تعجز عن صناعة المؤسسات. نعم، لا يمكن إنكار أهمية الرمز في لحظات التحول، فالرموز تختصر الأفكار وتلهم الجماهير وتمنحها الثقة، لكن الرمز لا ينبغي أن يتحول إلى غاية بحد ذاته، بل إلى حامل لمشروع وطني أكبر منه. فكل تجربة إصلاح ناجحة احتاجت إلى شخصية تتمتع بالمصداقية والشجاعة والقدرة على الإقناع، لكنها احتاجت قبل ذلك إلى فكرة واضحة، وإلى نخبة تؤمن بها، وإلى مجتمع مستعد للدفاع عنها.
إن أي مشروع إصلاحي جاد في العراق يحتاج إلى شروط موضوعية لا يمكن تجاوزها: أولها إنتاج خطاب وطني جديد يتجاوز الانقسام الطائفي والقومي من دون إنكار التنوع العراقي. وثانيها استعادة الطبقة الوسطى بوصفها الحامل الاجتماعي لأي مشروع تحديث. وثالثها بناء شبكات من المثقفين والأكاديميين والمهنيين ورجال الأعمال والإعلاميين ورجال الدين المؤمنين بالدولة الوطنية، بحيث تتحول الفكرة إلى رأي عام، ثم إلى حركة اجتماعية، ثم إلى مشروع سياسي.
أما تأسيس حزب وطني عابر للمذاهب والقوميات فقد يكون ضرورة في مرحلة لاحقة، لكنه ليس نقطة البداية. فالأحزاب الناجحة لا تبدأ بالمقرات والشعارات، وإنما تبدأ بفكرة كبرى تقنع الناس بأن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً عن الماضي. الحزب نتيجة، وليس بداية.
وربما تكون المشكلة الأكبر أن المجتمع العراقي يعيش منذ سنوات طويلة في ظل ثقافة “الزعيم والأتباع”. وهذه الثقافة تجعل الولاء للأشخاص أقوى من الولاء للأفكار، والانتماء للجماعة أقوى من الانتماء للدولة. ولذلك فإن أي مشروع إصلاحي لا بد أن يخوض معركته الأولى داخل الوعي، قبل أن يخوضها في السياسة. فالتغيير الحقيقي يبدأ عندما يتحول المواطن من تابع يبحث عن الحماية إلى شريك يبحث عن دولة.
لم يعد السؤال : كيف نغيّر السلطة؟ بل كيف نغيّر المجتمع الذي يعيد إنتاج السلطة؟ وكيف ننتج أفكاراً جديدة، ونخباً جديدة، ورموزاً جديدة، ومؤسسات جديدة، تستطيع أن تكسر الحلقة المغلقة التي دارت فيها الدولة العراقية طوال العقدين الماضيين؟
قد لا تكون “الكتلة التاريخية” هي الحل الوحيد، لكنها تبدو اليوم أقرب الأفكار إلى الواقع العراقي، لأنها لا تراهن على انقلاب ولا على فوضى ولا على بطل خارق، وإنما تراهن على بناء توافق وطني طويل النفس، يبدأ بالفكرة، ويكبر بالوعي، ويتجسد في التنظيم، وينتهي بإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة والكفاءة وسيادة القانون. فالأزمات التي استغرقت عشرين عاماً في التشكل، لن يحلها موسم انتخابي واحد، ولا حكومة واحدة، بل مشروع تاريخي كامل يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمواطن، وبين السياسة والأخلاق وفق منظورات واسس مختلفة عن التي مارسها واعتادها العراقيون.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
ترامب: سنطلب من إيران تعويضات عن الحرب
رئيس الوزراء: لا خطوط حمراء في ملاحقة الفاسدين
الادعاء على الحاكم السابق للمصرف المركزي اللبناني باختلاس أمواله