بغداد/المسلة: كتب رياض الفرطوسي:
لم يعد السؤال اليوم: هل يفكر الإنسان؟ بل: كم شخصاً تعرفه يفكر فعلياً بعقله هو، لا بعقل الجماعة التي ينتمي إليها؟
أغلب ما نسميه اليوم “أفكاراً” ليس سوى طرودٍ معرفية مسبقة الصنع؛ نشتريها، ونرتديها، ثم نخوض المعارك لنثبت أنها قماش من غزلنا. نعيش في سوق مفتوحة تُباع فيها العقول المستعملة بأسعار بخسة، حيث يُكافأ الممثل بالراحة، ويُعاقب المستقل بالوحشة.
الاستلاب الحقيقي لا يستهدف الجاهل، بل يستهدف “المتعلم العاجز”. إنه الشبه المعرفي الذي أشار إليه إيمانويل كانط حين عرَّف “التنوير” بأنه خروج الإنسان من حالة القصور التي وضع نفسه فيها، متسائلاً: لماذا يستسهل الناس أن يفكر غيرهم نيابة عنهم؟ قد يملك الإنسان شهادة عالية وقاموساً فلسفياً مدججاً بالنيولبرالية أو الماركسية أو الأصولية، لكنه يظل مجرد “مُعالج بيانات” لبرنامج صممه غيره. إن المثقف التابع( كما نبه علي شريعتي ) هو الأشد خطراً على المجتمعات؛ لأنه لا يكرر الوهم فقط، بل يمنحه شرعية أكاديمية وزخرفاً لغوياً يجعله يبدو كحقيقة مطلقة.
هذه البرمجة تبدأ من المهد. يتلقى الطفل الرسالة الضامرة: “القبيلة تعرف، والحزب يعرف، والمؤسسة تعرف.. ووظيفتك أن تطيع”. وهنا نتذكر تجربة الكاتب الروسي يفغيني زامياتين في روايته الخالدة “نحن” (We)، حيث يتحول البشر إلى أرقام في مجتمع يرى في الفردية مرضاً، وفي الشك خيانة. نكبر ونحن نحمل “القفص الذهني” داخلنا؛ فلا نعود بحاجة إلى سجان خارجي، لأننا صرنا حراساً على سجناء أنفسنا.
لكن آليات الهيمنة الحديثة جاوزت السيطرة على الأجساد إلى احتلال “المفاهيم”. من يملك القاموس، يملك العقل. وكما يُبين الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في تحليله لـ “خطاب السلطة”، فإن القوة الحقيقية لا تكمن في قمع الأفكار، بل في إنتاج المعرفة والمفاهيم التي تُحدد ما هو “عقلاني” وما هو “مجنون”. عندما يتم استيراد المفاهيم أو فرضها قسراً، يتحول النضال الفكري نفسه إلى مجرد لعبة داخل حدود الرقعة التي رسمها المستبد.
في مجتمعاتنا المأزومة، نرتكب دائماً خطأً منهجياً قاتلاً: ننشغل بسبّ الأشخاص ومهاجمة السلطات، بينما نغفل عن “البنية الثقافية” التي تُعيد إنتاج الدكتاتور بأسماء جديدة. نحن نعالج الأعراض ونترك المرض؛ تماماً كمن يشتكي من غبار الطاحونة، وهو لم يضع فيها حبة قمح واحدة.
إن الخروج من مأزق “العقول المستعملة” لا يتطلب ثورة في الشارع بقدر ما يتطلب ثورة في منهج التفكير. يتطلب الانتقال من ثقافة “الإجابة الجاهزة” إلى ثقافة “السؤال الشجاع”.
حريتك الحقيقية لا تبدأ عندما تختار بين عدة أحزاب أو أيديولوجيات مطروحة في السوق، بل تبدأ في اللحظة التي تدرك فيها أن هذه الخيارات كلها تُباع في المتجر نفسه.. ثم تملك الشجاعة لتخطو خارج السور.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
البنك المركزي: حقوق مودعي مصرف الطيف محفوظة وإجراءات الوصاية تهدف لحماية أموالهم
اتفاق نووي أمريكي سعودي يفتح باب التخصيب داخل المملكة ويثير إنذار طهران
بين دولة القانون ودولة الظل