بغداد/المسلة:
حسن الحيدري
شهد الإعلام العراقي تحولات كبيرة منذ تأسيس الدولة العراقية اوائل القرن العشرين حيثعكست تلك التحولات التغيرات السياسية والاجتماعية والتقنية في البلاد لكن التحوّل الأبرز في العقود الأخيرة لم يكن في شكل الإعلام فقط بل في قوة وتأثير تعليقات الجمهور عليه حتى أصبحت اليوم عاملاً رئيسيًا في تشكيل الخطاب العام وصنع القرار.
ظهر الإعلام الرسمي من خلال الصحف مثل الوقائع العراقية وبعدها تأسست الإذاعة عام 1936 لم يكن الجمهور يملك حينها وسيلة مباشرة للتفاعل أو التعبير وكانت المساحة المتاحة للتعليقات تقتصر على رسائل للصحف أو المجالس الخاصة. الإعلام كان نخبوياً ومحكوماً بالرقابة فضلا عن الحوارات التي قد تدور في بعض التجمعات ومقاهي يرتادها المثقفين.
مع ثورة 14 تموز شهد الإعلام العراقي طفرة في التوجه الشعبي والقومي حيث ظهرت صحف حزبية وإذاعات شعبية. وعلى الرغم من ارتفاع الصوت الجماهيري في المناسبات السياسية لم تكن التعليقات تؤثر فعليًا على القرار الإعلامي أو السياسي.
بعد عام ١٩٦٨ تحولت هذه المرحلة الى أقسى أشكال الإعلام المؤدلج والمركزي بداية من صحيفة الثورة واخواتها والقنوات التلفزيونية التي استخدمت كأدوات دعائية لا مكان فيها لرأي الناس. لم تكن هناك تعليقات عامة، بل كان التعبير عن الرأي يعرض صاحبه للخطر. الجمهور صامت، أو يتحدث همسًا في دوائر ضيقة.
بعضها منزلية بين الاخوة والابناء وقد يكون خطرا في مراحل مابعد الثمانينيات حتى وصل الصمت للعائلة الواحدة.
بعد تغيير النظام عام 2003 انفتحت البلاد على عشرات القنوات الفضائية والصحف وتفشت البرامج الحوارية والتفاعلية حيث يُسمع صوت المواطن عبر الاتصالات واللقاءات عصر جديد بدأفيه الرأي العام يجد له متنفساً في الإعلام وظهر تأثيره تدريجيًا.
بعد ظهور الاعلام الرقمي ٢٠١٠ أحدثت شبكات التواصل الاجتماعي تحولاً جذريًا خصوصا على الفيس بوك حيث اصبحت الصفحة الرسمية للكاتب والشاعر ورجل الدين والرياضي هويته الرقمية والتي يعبر من خلالها عن اعجابه الازرق لما ينشر وسخطه بالعلامات المتوفره وضحكاته في بعضها الاخر . لم يعد الإعلام وحده يصوغ الرسائل بل أصبح المواطن مشاركًا مباشرًا من خلال التعليقات والمنشورات. اليوم، التعليقات لا تُعبّر فقط عن رأي، بل تُصنع منها قرارات، وتُثار بها قضايا، وتُحدَّد من خلالها شعبية السياسيين والإعلاميين.
اليوم، تعليق واحد على فيسبوك قد يصل إلى آلاف ويُحدث جدلًا قد يدفع حكومة لإصدار بيان، أو قناة لتعديل محتواها أو وزارة لتغيير سياساتها.
قوة التأثير انتقلت من المنصة إلى الجمهور.
لم يعد الإعلام في العراق مجرد وسيلة تبث من طرف واحد كما كان الحال لعقود طويلة بل أصبح اليوم فضاءأُ تفاعليًا تشاركيًا يقوده الجمهور بآرائهم وتعليقاتهم ، كانت الصحف في الماضي القريب تُكتب وتُطبع دون أن يسمع أحد صوت القارئ.او قد يخشى بعضهم ان يبدي امتعاضه بتمزيق تلك الصحيفة امام مجموعة يختلف معهم بمانشيت حكومي لايؤيده ، كانت الإذاعة والتلفزيون منصات مغلقة لا تعكس إلا وجهة نظر الدولة أو الجهة المالكة.
اليوم تغيّر المشهد بالكامل القارئ لم يعد متلقّيًا فقط بل مشاركًا ومؤثرًا في صناعة المحتوى.
التعليق على منشور، أو مشاركة فيديو، قد يؤدي إلى تحقيق رسمي، أو إقالة مسؤول، أو تصحيح معلومة.
وسائل الإعلام باتت تخشى وتتفاعل مع الجمهور، فترتب محتواها بناءً على ما يُقال في فيسبوك وتويتر وتيك توك.
الإعلام التقليدي ذلك كان وسيلة “صامتة” لا تستجيب بينما الإعلام المعاصر كائن “حي” ينبض بتفاعل الجمهور يغيّره ويوجه اتجاهه.
حيث لم يعد يكُتب للناس فقط… بل أصبح الناس يكتبونه.
من وسيلة ذات اتجاه واحد إلى ساحة مفتوحة للحوار والتفاعل، وأصبحت تعليقات الناس هي القلب النابض للإعلام الجديد. هذا التحوّل يحمل فرصة لبناء وعي جماعي ومشاركة شعبية لكنه أيضًا يتطلب وعيًا ومسؤولية لأن الكلمة اليوم لم تعد مجرد رأي بل قد تُشعل أزمة أو تُطفئها او قد تعطي انطباعا سيئا جدا في حال حيازة تلك المواقع المجانية من فئة عمرية ذات تعليم متدني وجهل فكري قد يؤدي الى تغير بلون دجلة بطريقة هولاكوية.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
دخان الحرب فوق مضيق هرمز : السيناريو الأسوأ لاقتصاد العالم
كيف ستكون إيران؟
الحكيم: نعرب عن أسفنا للتغريدة التي صدرت بحق مرشح الإطار ونحذر من تبعات اقتصادية كبيرة