بغداد/المسلة: بوصفه جمهورية برلمانية اتحادية، يقوم النظام السياسي في العراق على ركيزة أساسية تتمثل في السلطة التنفيذية، التي تتألف من مؤسستين رئيسيتين هما رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء. وفي مثل هذا النظام، يُنظر عادةً إلى الرئيس باعتباره صاحب صلاحيات بروتوكولية، وهو ما يصفه بعض فقهاء القانون بـ«آلة التوقيع».
ورغم أن هذا التصور قد يبدو منطبقاً على الحالة العراقية، فإن آلية انتخاب الرئيس وبعض الصلاحيات المرتبطة بالمنصب تمنحه وزناً سياسياً يمكن توظيفه لتعزيز المطالب الكردية.
الصلاحيات الدستورية والقيود
وفق الكاتب الكردي، سيروان برهان حمه حسين ينطوي منصب رئيس الجمهورية أساساً على مجموعة من الصلاحيات البروتوكولية، من بينها المصادقة على القوانين التي يقرها البرلمان. ووفقاً للمادة 73 (ثالثاً) من الدستور، إذا لم يُبدِ الرئيس موافقته على القانون خلال 15 يوماً من تاريخ تسلمه، يُعدّ القانون مصادقاً عليه حكماً ويمضي في مساره القانوني. ومع ذلك، يحتفظ الرئيس بحق اقتراح تعديلات على مشاريع القوانين وإعادتها إلى مجلس النواب لإعادة النظر فيها، وهو ما يشكل عملياً حق نقض غير ملزم للتشريعات البرلمانية.
وخلال فترة مجلس الرئاسة الذي تأسس عقب أول انتخابات برلمانية عراقية عام 2005 ولمدة دورة واحدة، تألف المجلس من رئيس ونائبين تمتعوا بحق نقض القوانين الصادرة عن البرلمان. وكان هذا الترتيب مؤقتاً إلى حين إنشاء مجلس الاتحاد، أو الغرفة التشريعية العليا. ومنذ انتهاء ولاية مجلس الرئاسة عام 2010 وحله، لم يُنشأ مجلس الاتحاد حتى الآن، ما ترك فراغاً ملحوظاً في العملية التشريعية العراقية.
لماذا يحرص الأكراد على الرئاسة؟
بالنظر إلى الطابع الشرفي للمنصب، يثور التساؤل حول سبب تمسك الأكراد به وخوضهم صراعاً سياسياً محتدماً بشأنه على المستويين الإقليمي والاتحادي. وتكمن الإجابة في أن احتفاظ الأكراد بمنصب الرئاسة يحمل أهمية كبيرة، ولا سيما في ما يتعلق بتمرير المطالب الدستورية لإقليم كردستان ضمن العملية السياسية العراقية. وإلى جانب الاعتبارات السياسية، يتيح المنصب امتيازات مادية واقتصادية معتبرة تعود بالدرجة الأولى على الحزب الذي يشغله. فمرتب الرئيس ومخصصاته يحددهما القانون (المادة 74 من الدستور)، وإن لم يُعلن عن قيمتهما بدقة. كما تُقدَّر القوات العسكرية المكلفة بحماية الرئيس بعدة ألوية. وفي السنوات الأخيرة، استُخدم المنصب أيضاً لتسوية خلافات داخلية في إقليم كردستان، بما يخدم مصالح حزبية محددة، ولا سيما مصالح الاتحاد الوطني الكردستاني. وقد أسهمت هذه الامتيازات في تأجيج التنافس الحاد بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني على مدى ثلاث دورات رئاسية.
فرص ضائعة للمطالب الدستورية
باستثناء فترة جلال طالباني، أخفقت الأحزاب الكردية مراراً في توظيف منصب الرئاسة لفرض مطالبها الدستورية خلال تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة. ويعود ذلك في المقام الأول إلى تغليب القوى الكردية المطالب الشخصية على السياسية في سياق انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة.
فعندما يركّز الحزبان الرئيسيان، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، على مطالب تتعلق بالأشخاص والمناصب، فإنهما يفوّتان فرصة ربط انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة بتحقيق مطالب سياسية أساسية، مثل تنفيذ المادة 140 من الدستور، وحسم حصة إقليم كردستان من الموازنة الاتحادية، وضمان امتيازات لقوات البيشمركة، وإقرار قانون النفط والغاز. وعندما تُختزل المطالب في تغيير شاغلي المناصب، يصبح من المتعذر فرض المطالب السياسية معياراً لدعم المرشحين.
الأهمية الاستراتيجية للرئاسة
إذا ما جرى فصل المنصب عن المصالح الشخصية والحزبية، فإنه يكتسب أهمية استراتيجية كبيرة للأكراد. فالرئاسة تمثل مفتاح انطلاق العملية السياسية في العراق عقب الانتخابات. ويمكن ربط المطالب الكردية في مفاوضات تشكيل الحكومة بانتخاب الرئيس وتكليف رئيس الوزراء. والأهم أن عدم انتخاب الرئيس، الذي يتطلب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان، يحول دون تكليف رئيس الوزراء بتشكيل الحكومة، وبالتالي يمنع قيام حكومة جديدة.
ولا تستطيع القوى العراقية الأخرى انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة من دون مشاركة كردية. ورغم أن الأحزاب الكردية لا تملك ثلث مقاعد البرلمان لعرقلة النصاب منفردة، فإن التجارب السابقة أظهرت قدرتها على بناء تحالفات مع قوى أخرى لتعطيل انتخاب الرئيس. ومن ثم، يمكنها عملياً منع انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة ما لم تُدرج مطالبها ضمن البرنامج الحكومي.
وتجسد رئاسة الجمهورية شكلاً من أشكال المشاركة الأساسية في بنية الحكم العراقية، بوصفها أحد المناصب القيادية الثلاثة الأهم في الدولة. كما يمكن للرئيس أن يؤدي دوراً محورياً في حل النزاعات الدستورية بين الأقاليم والمحافظات والحكومة الاتحادية وسائر السلطات، إذ يصف الدستور في مادته 67 الرئيس بأنه «حامي الدستور». ويوفر ذلك ضمانة دستورية لحقوق الأكراد، ولا سيما ما يتعلق بحقوق إقليم كردستان وتنفيذ اللامركزية الإدارية والسياسية والمالية.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
السوداني لـ باراك: سيادة العراق ليست مجرّد اعتبارات محلية بل ركائز أساسية
من الانسحاب الروسي إلى الشراكة الأمريكية: العراق يعيد رسم إدارة الحقول العملاقة
القاضي زيدان يبحث مع مبعوث ترامب إكمال الاستحقاقات الدستورية