بغداد/المسلة:
حسن ال سلطان
في العراق لا تتحرك المناصب بصمت ولا تمر التغييرات الإدارية بوصفها إجراءات روتينية كما يحدث في الدول المستقرة. فكل قرار إعفاء أو تكليف يتحول فورًا إلى مادة للتأويل والتحليل لأن الذاكرة السياسية العراقية تعلّمت أن تبحث دائمًا عن اليد التي تحرك الخيوط خلف الستار.
خلال الفترة الأخيرة شهدت مؤسسات الدولة موجة من التغييرات أطلقها بعض الوزراء أتت مع توجهات الحكومة برئاسة علي الزيدي نحو إعادة تنشيط مفاصل الإدارة العامة. وبين مؤيد يرى فيها بداية تصحيح للمسار ومتشكك يعدّها جزءًا من إعادة توزيع الأوراق السياسية، يقف الشارع متسائلًا هل نحن أمام إصلاح إداري حقيقي أم أمام موسم جديد من تبديل المقاعد
المشكلة أن العراقيين لم يعودوا يقيسون التغيير بعدد القرارات الصادرة بل بحجم الأثر الذي يتركه في حياتهم اليومية فالمواطن الذي ينتظر خدمة أفضل أو فرصة عمل أو مشروعًا متعثرًا يعود إلى الحياة لا تعنيه كثيرًا أسماء المديرين بقدر ما تعنيه النتائج لقد تعب الناس من مشاهدة المسرحية ذاتها ممثلون جدد ونص قديم.
في المقابل من الظلم اختزال كل تغيير في نظرية المؤامرة أو اعتباره مجرد استجابة لإرادة الكتل السياسية. فالدولة التي لا تراجع أداء مسؤوليها تتحول تدريجيًا إلى متحف للأخطاء المتراكمة والإدارة التي لا تُحاسب تفقد قدرتها على التجدد تمامًا كما تفقد المياه الراكدة قدرتها على الحياة.
لكن السياسة العراقية لها طبائعها الخاصة. فالتغيير هنا يشبه لاعب السيرك الذي يمشي على حبل مشدود خطوة باتجاه الإصلاح قد تزعج مراكز نفوذ وخطوة باتجاه التوازنات قد تُغضب الشارع ولذلك تجد الحكومات نفسها مضطرة أحيانًا إلى إدارة معركة مزدوجة إقناع المواطن بأنها تتحرك وإقناع القوى السياسية بأن الحركة لا تستهدف وجودها.
وتحضر هنا نكتة سياسية قديمة تقول إن موظفًا سأل مديره الجديد “هل جئت لتُصلح المؤسسة فأجابه: “جئت لأعرف أولًا من الذي يمنع إصلاحها”. وبين السؤال والجواب تختبئ قصة الإدارة في كثير من الدول النامية.
إن ما يجري اليوم قد يكون رسالة طمأنة للشارع بأن عجلة الدولة لم تتوقف وقد يكون في جانب منه إعادة ترتيب للأوراق داخل البيت السياسي وقد يكون الأمرين معًا. فالسياسة ليست علمًا دقيقًا بقدر ما هي فن إدارة الممكن.
غير أن الاختبار الحقيقي لرئيس الوزراء علي الزيدي لن يكون في عدد المسؤولين الذين غادروا مكاتبهم بل في عدد المشكلات التي يجب ان تغادر حياة المواطنين. فحين يلمس الناس فرقًا في الخدمات والأداء والإنجاز تتحول التغييرات إلى إصلاح أما إذا بقيت النتائج حبيسة البيانات والتصريحات فستبقى أرجوحة التغيير تدور في المكان نفسه بينما يواصل العراقيون انتظار المحطة التي تقودهم إلى دولة الإنجاز لا دولة التبديل.
المسلة – متابعة – وكالات
- النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

أخبار ذات علاقة
قواعد اللعبة بين طهران والخليج: من التهدئة إلى الردع المباشر والتمايز الاستراتيجي
إعفاء فرحان الفرطوسي من منصب مدير موانئ العراق
4 حالات انتحار في يوم واحد.. ضغوط نفسية وفشل وراء الشنق بمراوح وسقوف