المسلة

المسلة الحدث كما حدث

التاسع من نيسان… ذاكرة سقوط الطغيان وغياب الدولة

التاسع من نيسان… ذاكرة سقوط الطغيان وغياب الدولة

10 أبريل، 2026

بغداد/المسلة:

حسين الشلخ

ليس سهلاً أن يمرَّ التاسع من نيسان كأي يوم عابر داخل الذاكرة العراقية هذا التاريخ لا يحمل حدثاً واحداً وإنما يحمل جرحين كبيرين شكّلا الوعي العراقي الحديث الأول استشهاد المفكر الشهيد محمد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى سنة 1980 بعد حملة قمع وحشية مارسها النظام البعثي والثاني سقوط نظام صدام حسين سنة 2003 بعد عقود طويلة ثقيلة بالدم والحروب والحصار والانهيار الاجتماعي ، لعل هذا اليوم ليس مجرد رقم تقويمي إنه علامة فاصلة بين عراقين: عراق القمع الصارم وعراق الفوضى المفتوحة.

لقد عاش العراقيون زمناً طويلاً تحت سلطة استبدادية أطبقت قبضتها الحديدية فوق كل مفاصل الحياة كان النظام البائد قائماً فوق منطق الخوف يكمم الأفواه، يطارد المعارضين ويحوّل الدولة أداةً بيد الحاكم فبين الإعدامات المقابر الجماعية والحروب العبثية والحصار الاقتصادي القاسي الذي طحن المجتمع كل ذلك باتت وقائع ما زالت حاضرة داخل ذاكرة الأجيال ، لم يكن ذلك النظام دولة عدل ولم يكن سلطة شرعية بالمعنى الأخلاقي أو الإنساني وإنما سلطة بطش استندت إلى الأجهزة الأمنية والسجون والمشانق.

استشهاد محمد باقر الصدر شكّل أحد أكثر المشاهد قسوةً داخل تلك الحقبة فالرجل لم يكن مجرد فقيه أو مفكر ديني بل كان مشروعاً فكرياً وسياسياً حمل رؤية نقدية عميقة للاستبداد والظلم وإعدامه مثّل إعلاناً صريحاً أن النظام لا يحتمل العقل الحر ولا يقبل الصوت الذي يواجه الطغيان بالكلمة والفكرة لهذا بقي التاسع من نيسان أيضاً يوم وفاء لذاكرة الشهيد الذي دفع حياته ثمناً لموقفه ، لعل المفارقة التي تؤلم العراقيين اليوم تكمن هنا: بعد سقوط الدكتاتورية، لم تولد الدولة التي حَلُم بها الناس.

نعم سقط الطاغية غير أن مؤسسات الدولة نفسها تعرضت لانهيار هائل والوزارات نُهبت، الأجهزة الإدارية تفككت، الجيش حُلّ، البنية المؤسسية أصابها الفراغ، ثم دخل العراق دوامة المحاصصة والطائفية والفساد ، كثيرون باتوا يستذكرون تلك المرحلة السابقة بوصفها دولة مؤسسات وهذه المقارنة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة والإنصاف.

لعل النظام السابق كان يمتلك مؤسسات شكلية قوية: جيش، أجهزة أمن، بيروقراطية إدارية، مركزية صارمة، وتسلسلاً تنفيذياً واضحاً حيث كانت أوامر السلطة تُنفذ بسرعة وكان القانون يُستخدم كأداة فرض لا كمرجعية عدل وهنا يكمن الفرق الجوهري: وجود المؤسسة لا يعني وجود الدولة العادلة.

ان الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرة الجهاز الإداري وإنما تُقاس بسيادة القانون استقلال القضاء تداول السلطة حماية الحريات وصون كرامة الإنسان ما نشعر به اليوم ليس حنيناً إلى الدكتاتورية وإنما حسرة عميقة بسبب غياب الدولة الحقيقية بعد سقوطها.

لقد انتقل العراق للأسف من استبداد الفرد إلى ضعف المؤسسة انتقل من مركزية القمع إلى تعدد مراكز النفوذ حين اصبح القرار السياسي موزعاً بين الأحزاب والفصائل والمصالح المتشابكة فالمواطن الذي كان يخاف من رجل الأمن اصبح موبق بالخوف من المستقبل فهو يعيش بين الفساد والسلاح المنفلت وانهيار الخدمات وضياع العدالة.

هذه المقارنة يجب ألا تتحول إلى تبرئة للنظام البائد لأن ذلك سيكون ظلماً للتاريخ ودماء الضحايا وفي الوقت نفسه يجب ألا تمنعنا من توجيه نقد صارم للواقع الحالي فالدرس الأكبر الذي يقدمه التاسع من نيسان أن إسقاط الدكتاتورية لا يكفي وحده لصناعة الدولة.
فسقوط النظام كان نهاية حقبة سوداء لكنه لم يكن بداية تلقائية لعصر العدالة.

ان بناء المؤسسات يحتاج مشروعاً وطنياً حقيقياً ، يحتاج إرادة سياسية صادقة، يحتاج قضاءً مستقلاً، جيشاً وطنياً، وإدارة لا تخضع للمحاصصة ويبقى هذا التاريخ محفوراً داخل الوجدان العراقي: يوم استشهد الفكر الحر ممثلاً بمحمد باقر الصدر، ويوم سقطت الدكتاتورية، ويوم بدأ السؤال العراقي الكبير:
متى تولد الدولة؟


المسلة – متابعة – وكالات

النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.

About Post Author